الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

206

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ [ القمر : 51 ] . فالباء في بِقَدَرٍ للملابسة ، والمجرور ظرف مستقر ، فهو في حكم المفعول الثاني لفعل خَلَقْناهُ لأنه مقصود بذاته ، إذ ليس المقصود الإعلام بأن كل شيء مخلوق للّه ، فإن ذلك لا يحتاج إلى الإعلام به بله تأكيده بل المقصود إظهار معنى العلم والحكمة في الجزاء كما في قوله تعالى في سورة الرعد [ 8 ] وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ . ومما يستلزمه معنى القدر أن كل شيء مخلوق هو جار على وفق علم اللّه وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعل القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولّداتها ، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه . وهذا قد سمي بالقدر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإيمان : « وتؤمن بالقدر خيره وشره » . وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة : « جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في القدر فنزلت : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 48 ، 49 ] . ولم يذكر راوي الحديث تعيين معنى القدر الذي خاصم فيه كفار قريش فبقي مجملا ويظهر أنهم خاصموا جدلا ليدفعوا عن أنفسهم التعنيف بعبادة الأصنام كما قالوا : لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] ، أي جدلا للنبي صلى اللّه عليه وسلم بموجب ما يقوله من أن كل كائن بقدر اللّه جهلا منهم بمعاني القدر . قال عياض في « الإكمال » « ظاهره أن المراد بالقدر هنا مراد اللّه ومشيئته وما سيق به قدره من ذلك ، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية » اه . وقال الباجي في « المنتقى » : « يحتمل من جهة اللغة معاني : أحدها : أن يكون القدر هاهنا بمعنى مقدر لا يزاد عليه ولا ينقص كما قال تعالى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [ الطلاق : 3 ] . والثاني : أن المراد أنه بقدرته ، كما قال : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة : 4 ] . والثالث : بقدر ، أي نخلقه في وقته ، أي نقدّر له وقتا نخلقه فيه » اه . قلت : وإذ كان لفظ ( قدر ) جنسا ، ووقع معلّقا بفعل متعلق بضمير كُلَّ شَيْءٍ الدال على العموم كان ذلك اللفظ عاما للمعاني كلها فكل ما خلقه اللّه فخلقه بقدر ، وسبب النزول لا يخصص العموم ، ولا يناكد موقع هذا التذييل على أن السلف كانوا يطلقون